عباس حسن
125
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
مع « 1 » - لهذه الكلمة أحوال ثلاثة ؛ تضاف في اثنتين ، وتفرد في واحدة ، الأولى : الظرفية ؛ بأن تكون ظرف مكان يدل على اجتماع اثنين واصطحابهما ، أو ظرف زمان يدل على ذلك ، أو ظرفا محتملا للأمرين ، عند عدم القرينة التي تعينه لأحدهما « 2 » فقط . فمثال دلالته على المكان وحده قولهم : ( التواضع مع التّكلّف زهر مصطنع ؛ لا في العيون نضر ، ولا في الأنوف عطر ) وقولهم : ( لا راحة لراض مع ساخط ، ولا لكريم مع دنىء ) . ومثال دلالته على الزمان وحده : يغادر الطير عشه مع الصباح الباكر ، ويعود إليه مع إقبال الليل « 2 » . . . وليس من من اللازم عند استعماله في الزمان أن يكون الاجتماع والتلاقى متصلين فعلا ؛ وإنما يكفى أن يكونا متقاربين غاية التقارب ، حتى كأنهما متصلان من
--> ( 1 ) سبقت لها إشارة موجزة لمناسبة أخرى في باب : « الظرف » ج 2 م 79 ص 278 . ( 2 و 2 ) لبيان ما سبق نقول : إن كل اجتماع والتقاء بين اثنين لا بد أن يكون في زمان واحد ، ومكان واحد ؛ ومحال أن يتم الاجتماع والتلاقى بغير الأمرين مقترنين حتما . ففي مثل : قعد الزميل مع زميله في الغرفة - لا يمكن أن يتحقق قعودهما مجتمعين إلا في زمان واحد يطويهما ، ومكان واحد يحويهما . ومن المستحيل أن يوجد الزمان بغير المكان ، أو العكس . فإذا أردنا أن ندل على وقوع اصطحاب واجتماع بين اثنين في أمر - كالجلوس ، مثلا - كان أمامنا أساليب متعددة لأداء هذا المعنى . ولكن أبلغها وأدقها هو اختيار اللفظة الواحدة المختصة بتأدية هذه الدلالة ؛ وهي لفظة : « مع » فنقول : جلس الأخ مع أخيه في بيتهما ؛ بدلا من أن نقول : ظهر الأخ وأخوه في مكان واحد هو البيت ، جلسا فيه في وقت واحد . . . أو : نحو هذا ، من الأساليب التي قد يصيبها التفكك والضعف ؛ بسبب إهمال الكلمات الخاصة التي هي نص في معان معينة . ونقول : أكل الصديق مع صديقه ، بدلا من أكل الصديقان في مكان واحد ، وزمان واحد . . . أو : مصطحبين زمانا ومكانا في أثنائه . فالاجتماع - كما أسلفنا - لابد أن يشمل الأمرين ؛ الزمان والمكان حتما . غير أن المقام يقتضى - أحيانا - الاهتمام بأحدهما وتوجيه المعنى إليه دون الآخر ؛ لوجود قرينة لفظية أو غير لفظية توجب الاقتصار على واحد ، كما في المثالين السالفين ؛ فالفعل في كل منهما قرينة تدل في السياق الخاص على أن القصد متجه للمكان ، مقصور عليه وحده ، من غير اعتبار للزمان الملازم للمكان . أما في مثل استيقظت من النوم مع الفجر ، وقصدت لعملي مع الشروق - فإن القرينة اللفظية في السياق تدل على أن الغرض المقصود هو الزمان وحده ؛ إذ لا أهمية للمكان هنا كعدم أهمية الزمان هناك ، فالقرائن اللفظية أو غير اللفظية هي وحدها - كشأنها دائما - التي تتحكم في تخصيص كلمة : « مع » بالمكان أو الزمان . وهذا هو المراد من قولهم : « إنها ظرف زمان أو مكان » . ولكنه قول مختصر يراد منه ما شرحناه . فإن لم توجد تلك القرينة كانت « مع » محتملة للأمرين ، صالحة لكل منهما من غير ترجيح .